الشيخ محمد جواد البلاغي
139
الهدى إلى دين المصطفى
قلت : إن من منحه الله شيئا من الفهم والشعور ليعلم من العادة وفلسفة الحقائق أن النبي الذي يقيم في دعوة الحق والوعظ والنصيحة مئات من السنين بين قوم كفرة متجبرين ، ويجزم يقينا إن شأن هذا النبي لا ينقضي مع قومه بالصمت والسكوت بل لا بد فيه من المكالمات الكثيرة ، والرد والبدل ، والدعوة والجحود ، والوعظ ، والهزء ، والنصيحة والسخرية . والاحتجاج والجدال ، والبرهان والمكابرة ، والحجة والعناد ، وليس هذا المقام مما قال فيه الشاعر : حواجبنا تقضي الحوائج بيننا فنحن سكوت والهوى يتكلم أفلا ترى أن مدير القرية إذا أراد أن يبدل فيها قانونا واحدا عموميا ، أو يؤسس هذا القانون الواحد كم يحدث فيها من الانقلاب والمجادلات والمكالمات ، فما ظنك بدعوة النبي إلى التوحيد والصلاح ، وماذا ينبغي أن يصدر من العتاة في رد الدعوة الدائمة والنصح المستمر من النبي الأمين في الدعوة ، المجاهد في سبيل الله ، وما يبدر منهم ليحافظوا على وثنيتهم وعوائد ضلالهم ، فأعرني رشدك لحظة وانظر في التوراة الرائجة التي سلكت في قصصها مسلك التاريخ الساذج ، فهل تراها ذكرت في شأن نوح وقومه ما يليق بحوادث يوم واحد في الدعوة والوعظ وجوابهما ، وهل ذكرت في هذا الشأن إلا أن أبناء الله رأوا بنات الناس حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء ، فقال الرب : لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد تكون أيامه مائة وعشرين سنة . كان في الأرض طغاة في تلك الأيام وبنات الناس ولدن الجبابرة ، ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر ، فحزن الرب أن عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه فقال : امحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته مع البهائم والدبابات وطيور السماء لأني حزنت أني عملتهم ، وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب وفسدت الأرض وامتلأت ظلما ، فقال الله لنوح اصنع فلكا إلى آخره ، هذا ما في التوراة في شأن نوح وقومه مع حذف التكرار والفضول فانظر ( تك 6 ، 1 - 14 ) . ومع هذا فهل يحسن من أقل العقلاء أن يقول : إن هذه هي تمام